محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول تعالى ذكره : لم يكن لأهل المدينة ، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن حولهم من الأعراب سكان البوادي ، الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وهم من أهل الإيمان به ؛ أن يتخلفوا في أهاليهم ولا دارهم ، ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه في صحبته في سفره والجهاد معه ومعاونته على ما يعانيه في غزوه ذلك . يقول : إنه لم يكن لهم هذا بأنهم من أجل أنهم وبسبب أنهم لا يصيبهم في سفرهم إذا كانوا معه ظمأ وهو العطش ولا نصب ، يقول : ولا تعب ، وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني : ولا مجاعة في إقامة دين الله ونصرته ، وهدم منار الكفر . وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يعني أرضا ، يقول : ولا يطئون أرضا يغيظ الكفار وطؤهم إياها . وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا يقول ولا يصيبون من عدو الله وعدو شيئا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم إلا كتب الله لهم بذلك كله ثواب عمل صالح قد ارتضاه . إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقول : إن الله لا يدع محسنا من خلقه أحسن في عمله فأطاعه فيما أمره وانتهى عما نهاه عنه ، أن يجازيه على إحسانه ويثيبه على صالح عمله ؛ فلذلك كتب لمن فعل ذلك من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ما ذكر في هذه الآية الثواب على كل ما فعل فلم يضيع له أجر فعله ذلك . وقد اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية ، فقال بعضهم : هي محكمة ، وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، لم يكن لأحد أن يتخلف إذا غزا خلافه فيقعد عنه إلا من كان ذا عذر ، فأما غيره من الأئمة والولاة فإن لمن شاء من المؤمنين أن يتخلف خلافه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة الجهاد . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ الجهاد هذا إذا غزا نبي الله بنفسه ، فليس لأحد أن يتخلف . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سرية تغزو في سبيل الله ، لكني لا أجد سعة فأنطلق بهم معي ، ويشق علي أو أكره أن أدعهم بعدي " . حدثنا علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : سمعت الأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، والفزاري ، والسبيعي ، وابن جابر ، وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلى آخر الآية الجهاد . إنها لأول هذه الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله . وقال آخرون : هذه الآية نزلت وفي أهل الإسلام قلة ، فلما كثروا نسخها الله وأبا التخلف لمن شاء الجهاد ، فقال : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فقرأ حتى بلغ : لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الجهاد قال : هذا حين كان الإسلام قليلا ، فلما كثر الإسلام بعد قال : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ إلى آخر الآية . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن الله عنى بها الذين وصفهم بقوله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ الآية ، ثم قال جل ثناؤه : ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا عن رسول الله ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه أن يتخلفوا خلافه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه الجهاد . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب في غزوته تلك كل من أطاق النهوض معه إلى الشخوص إلا من أذن له أو أمره بالمقام بعده ، فلم يكن